إنّها مُجرّد لُعبة !
تسَابقَت الخيلُ في الحلبةِ ففازَ حِصانٌ من بينِها، فجعلَ شابا من الحُضورِ يُكثرُ الفرحَ، ويُكبّرُ، ويُصفّقُ..
فقال له رجل إلى جانبه: هل الحِصانُ لكَ يا فتى؟
فقال: لا، ولكنّ اللجامَ لي!
لا شيءَ أشبه بصَاحبِ اللجام اليومَ من جماهيرِ كُرةِ القدمِ المُتعصِّبينَ لفرقهِم.. مع فارقٍ ضئيلٍ أنَّ الذي فرحَ بفوزِ الحِصانِ كانَ له في الأمرِ لِجَام، أما هُم فليسَ لهم في الأمرِ ناقةٌ ولا جَملٌ ولا حتى «حِدْوَة»!
كُرة القدمِ لُعبةٌ جميلةٌ لا شكّ، ولها جُمهورٌ عريضٌ في شتى أصْقاعِ الأرضِ، ولو كانَ بإمكان «الفيفا» أن تُقيمَ دولة سُكانها الشَّغوفينَ بكرةِ القدمِ لاحتاجتْ مساحة يابسة بحجم آسيا لتتسعَ لهم، ولكانَ «جُوزيف تسِي بلاتر» أشهر وليّ أمرٍ على هذه الأرض!
للأسَفِ صارتْ كُرة القدمِ اليومَ أكثرَ من لُعبة.. تماماً، كما صار النفطُ أكثرَ من وقودٍ، وكما صارَ القمحُ أكثرَ من مادَّةٍ أوّليّة لصناعةِ الخُبز، وكما صارَ الماءُ أكثرَ من سائلٍ للشُّربِ والريِّ، وكما صارَ الذَّهبُ أكثرَ من معدنٍ للزِّينةِ.. إحدى عجائبِ البشرِ أنهم يستطيعُون تحويلَ كلّ شيءٍ إلى سلاحٍ، وأداة ضغط، ووسيلة تركيع.
لستُ «قذّافيّاً» لأقولَ إنَّ لُعبة كرةِ القدَمِ مُجرَّد قطعة جلدٍ يركضُ وراءَها اثنان وعشرونَ لاعباً، وأنَ من حقِّ كل لاعبٍ أن يكونَ لديه جِلدَته يركضُ وراءَها، كما يحلو له دونَ أن ينازعه فيها أحد، ولستُ «خارجيّاً» إلى الحدِّ الذي أقولُ فيه أن تشجيعَ «يال مدريد» يُعتبر موالاةً للكافرين! وأن الفرحَ بفوز «برشلونة» يقدحُ في الولاءِ والبراء، على العَكسِ تماماً أنا أحدُ عُشّاق هذه اللعبة، ولكنْ يزعجني أن تُصبحَ أكثرَ من لُعبة.
أُقيمتْ مباراةُ «ريال مدريد» و«برشلونة» في سَاعةٍ متأخرةٍ من الليل، وبعدَ كل هدَفٍ عليكَ أنْ تسمعَ صُراخ المُشجعينَ في بيوتِ الجِيران وكأنّك جالسٌ تُشاهد المباراة في «الكامب نو» في عقرِ دار «الكتالونيين»، وبعد انتهاءِ المُباراة هناكَ مسيرةٌ سيّارة تجوبُ الشّوارعَ وكأنَّ الأندلس فُتحتْ من جَديد، أو أنّه قد وُلد للأقصى صَلاحُ دِينٍ جديد، وثمَّة من يعودُ إلى منزله بعد خسارة فريقه كأنَّه عائدٌ من دفنِ والده، فيصفعُ ولداً، ويؤنِّبُ بنتاً، ويهددُ بالطلاقِ زوجةً.
كانَ داودُ عليه السّلام يُحبُّ الخيل كثيراً، وللمرءِ أن يُحبّ سِباق الهجن، أو «الفورميلا وان»، فالنّاسُ فيما يعشقونَ مذاهبُ، ولكنْ علينا أن نتذكَّرَ أن الهوايات للمُتعة والتَّرويحِ عن النَّفسِ، لا لجلبِ مزيدٍ من المشَاكل ففي الحياة منها ما يكفي ويزيد!

تعليقات
إرسال تعليق